القرطبي
269
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في كل مسجد . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان ) إن الله تعالى يقول : " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " ) [ التوبة : 18 ] . وقد تقدم . السادسة : وتصان ( 1 ) المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الاشتغال ، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر ( 2 ) : ( لا وجد ت إنما بنيت المساجد لما بنيت له ) . أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قام رجل فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له ) . وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن . وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تزرموه دعوه ) ( 3 ) . فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ) . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه ( 4 ) عليه . خرجه مسلم . ومما يدل على هذا من الكتاب قول الحق : " ويذكر فيها اسمه " . وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم السلمي : ( إن هذه المساجد ( 5 ) لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه ، وحسبك وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا الصوت ؟ أتدري أين أنت ! وكان خلف بن أيوب جالسا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شئ فقام وخرج من المسجد وأجابه ، فقيل له في ذلك فقال : ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا ، فكرهت أن أتكلم اليوم .
--> ( 1 ) في ك : ويصان المسجد . ( 2 ) أي من وجد ضالتي ، وهو الجمل الأحمر فدعاني إليه . ( 3 ) أي لا تقطعوا عليه بوله ، يقال : زرم البول ( بالكسر ) انقطع ، وأرزمه غيره . ( 4 ) الشن : الصب المنقطع ، أي رشه عليه رشا متفرقا . ( 5 ) الذي في صحيح مسلم : " إن هذه الصلاة . . . الخ " .